محمد سعيد رمضان البوطي

280

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أمر عمر بن الخطاب ، وهو بالبطحاء ، أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها ، فلم يدخلها حتى محيت الصور ، وقد روى البخاري في كتاب الحج عن أسامة أنه صلّى اللّه عليه وسلم دخل الكعبة فرأى صورة إبراهيم ، فدعا بماء فجعل يمحوها . وهذه الأحاديث ، في مجموعها ، تدل على أنه صلّى اللّه عليه وسلم ، أمر بالرسوم المخطوطة على الجدران فمحيت ، كما أمر بالصورة المجسمة القائمة في جوفها فأخرجت ، ويبدو أنه حينما دخل بعد ذلك وجد آثارا لتلك الرسوم على بعض جدرانها فدعا بماء وجعل يبالغ في حتها ومحوها . وهذا يدل بوضوح على حكم الإسلام في حق التصوير والصور المجسمة وغير المجسمة . ولننقل لك في ذلك نص الإمام النووي رحمه اللّه تعالى في شرحه على صحيح مسلم ، قال : « قال أصحابنا وغيرهم من العلماء : تصوير صورة الحيوان حرام شديد الحرمة ، وهو من الكبائر لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث ، وسواء صنعه بما يمتهن أو بغيره ، فصنعته حرام على كل حال ، لأن فيه مضاهاة بخلق اللّه تعالى ، وسواء ما كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها . أما تصوير الشجر ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان ، فليس بحرام . هذا حكم نفس التصوير . وأما حكم اتخاذ المصوّر فيه صورة حيوان ، فإن كان معلقا على الحائط أو ثوبا ملبوسا أو عمامة ونحو ذلك ، مما لا يعد ممتهنا ، فحرام . وإن كان في بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها ، مما يمتهن ، فليس بحرام . ولكن هل يمنع دخول ملائكة الرحمة ذلك البيت ؟ فيه كلام نذكره فيما بعد إن شاء اللّه . ولا فرق في هذا كله بين ما له ظلّ وما لا ظلّ له . هذا تلخيص مذهبنا في هذه المسألة . وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم . وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وغيرهم . وقال بعضهم : « إنما ينهى عما كان له ظل ولا بأس بالصورة التي ليس لها » ، وهذا مذهب باطل ، فإن الستر الذي أنكر النبي صلّى اللّه عليه وسلم الصور فيه « 69 » ، لا يشك أحد أنه مذموم ، وليس لصورته ظل ، مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة » . ثم قال رحمه اللّه تعالى : « وأجمعوا على منع ما كان له ظل ، ووجوب تغييره . قال القاضي إلا ما ورد في اللعب بالبنات ( اللّعب ) لصغار البنات ، ففي ذلك رخصة » « 70 » .

--> ( 69 ) يقصد بذلك ما رواه مسلم عن عائشة قالت : دخل علي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأنا متسترة بقرام فيه صور ( أي متخذة ستائر رقيقة عليها صور ) فتلون وجهه ثم تناول الستر فهتكه ، ثم قال : إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق اللّه . ( 70 ) النووي على صحيح مسلم : 14 / 81